احسان الامين
88
التفسير بالمأثور وتطوره عند الشيعة الإمامية
وهكذا انتقل عليّ ( ع ) وهو صغير إلى بيت النبيّ ( ص ) لينشأ في رعايته ويكبر على عينه ، وفي دفء وجوده المبارك يغذّيه من حنانه ومودّته ويلهمه من أخلاقه وأفكاره . وقد أشار الإمام عليّ ( ع ) إلى ما حظي به من رعاية رسول اللّه ( ص ) له في خطبته المعروفة بالقاصعة ، قائلا : ( ولقد علمتم موضعي من رسول اللّه - ص - بالقرابة القريبة والمنزلة الخصيصة : وضعني في حجره وأنا ولد ، يضمّني إلى صدره ، ويكنفني في فراشه ، ويمسّني جسده ، ويشمّني عرفه ، وكان يمضغ الشيء ثمّ يلقمنيه ، وما وجد لي كذبة في قول ، ولا خطلة في فعل ) . وقال أيضا مشيرا إلى عناية الرسول ( ص ) بتربيته : ( ولقد قرن اللّه به - ص - من لدن أن كان فطيما ، أعظم ملك من ملائكته ، يسلك به طريق المكارم ومحاسن أخلاق العالم ، ليله ونهاره ، ولقد كنت أتبعه اتّباع الفصيل أثر امّه ، يرفع لي في كلّ يوم من أخلاقه علما ويأمرني بالاقتداء معه ) . وبعد أن بلّغ رسول اللّه ( ص ) بوحي الرسالة ، فإنّ خديجة وعليّ كانا أوّل من بادر إلى الايمان بدعوته ، فشكّلا بذلك أوّل بيت في الاسلام تنعقد أركانه على الإيمان ، وبذلك يقول علي ( ع ) : ( ولقد كان يجاور في كلّ سنة بحراء ، فأراه ولا يراه غيري ، ولم يجمع بيت واحد في الاسلام غير رسول اللّه - ص - وخديجة وأنا ثالثهما ، أرى نور الوحي والرسالة وأشمّ ريح النبوّة ) « 1 » . أهداف الرعاية النبويّة ولم تكن هذه العناية الخاصّة بدافع القرابة أو العاطفة ورسول اللّه ( ص ) رسول اللّه الّذي « لا ينطق عن الهوى » ولا ينطلق في تصرّفاته ومواقفه إلّا من وحي الرسالة ، لذا فإنّ الرعاية الشخصية الخاصّة لعلي من لدن الرسول ، كانت لتهيئة الأجواء الفكرية
--> ( 1 ) - نهج البلاغة / تبويب د . صبحي الصالح / ص 300 .